يرى باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي، أن الخلاف المتفاقم بين السعودية والإمارات بشأن مستقبل اليمن واحتمال إعلان دولة جنوبية مستقلة بلغ مرحلة خطرة، بعدما اتهمت الرياض فعليًا أبوظبي بتهديد أمنها القومي. ويشير إلى أن هذا النزاع لا يهدد فقط بتفجير حرب أهلية جديدة في جنوب اليمن، بل ينذر أيضًا بالامتداد إلى ساحات إقليمية أخرى، مثل السودان والقرن الأفريقي، حيث يدعم الطرفان معسكرات متعارضة.
يوضح تقرير الجارديان أن اليمن قد يتحول إلى مسرح واحد ضمن صراع أوسع بين الدولتين الخليجيتين الغنيتين، في ظل سعي كل طرف إلى توسيع نفوذه السياسي، والسيطرة على الممرات البحرية، وضمان الوصول التجاري في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا.
صراع نفوذ يتجاوز اليمن
تفترض دوائر دبلوماسية عدة أن الإمارات، التي تُصوَّر غالبًا بوصفها الشريك الأصغر للسعودية، كانت ستضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي لتأجيل أو التخلي عن إعلان الاستقلال، مقابل الاكتفاء بمفاوضات حول حكم ذاتي أوسع أو زيادة التمثيل داخل مجلس القيادة الرئاسي. غير أن هذا التقدير ثبت خطؤه.
تنظر السعودية تاريخيًا إلى اليمن باعتباره مجال نفوذ مباشر لها. سعت في 2015 إلى هزيمة جماعة الحوثي عبر حملة جوية واسعة، ثم عادت لاحقًا إلى المسار الدبلوماسي تحت ضغط دولي لمحاولة التوصل إلى تسوية مع الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا في عدن. لكن التحركات الإماراتية الأخيرة كسرت خطوطًا حمراء راسخة، ما دفع الرياض إلى قصف مركبات رست في ميناء المكلا، وأكدت أن هذه المركبات وصلت من موانئ إماراتية وكانت مخصصة لاستخدام المجلس الانتقالي.
أعلنت السعودية بلهجة حادة أن أي تهديد لأمنها الوطني يمثل خطًا أحمر، وأنها ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لمواجهته، في إشارة مباشرة إلى استعدادها للتصعيد.
المجلس الانتقالي ورهان أبوظبي
تتعامل الإمارات مع اليمن منذ سنوات من زاوية المصالح التجارية والسياسية، مستندة إلى مطالب شعبية حقيقية في الجنوب لاستعادة الاستقلال الذي فقده عام 1990. واختارت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي أداة لتحقيق هذا الهدف، وهو رهان وصفه مراقبون بالذكي.
نال المجلس اعترافًا سياسيًا تدريجيًا منذ 2019، مع حصوله على مقاعد في مجلس القيادة الرئاسي. كما حصد زعيمه عيدروس الزبيدي اعترافًا غربيًا متزايدًا، وشارك في فعاليات دولية كالجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع ذلك، لم يرضَ المجلس بحلول فيدرالية، وشعر بالتهميش داخل المجلس الرئاسي.
استغل المجلس هذا الشهر اللحظة المناسبة، ودفع بقواته إلى حضرموت، أكبر محافظات الجنوب. ومع هذا التمدد شرقًا، بسط سيطرته على معظم أراضي دولة الجنوب السابقة، بما في ذلك أهم الحقول النفطية، ثم انتقل سريعًا إلى المهرة، أقصى المحافظات الشرقية، ما شكل صدمة كبيرة للرياض.
خطر الانفجار الإقليمي
ردت السعودية بحملة ضغط دبلوماسي مكثفة على أبوظبي، وطالبت بانسحاب قوات المجلس الانتقالي، وحاولت عزل الإمارات سياسيًا، مؤكدة أن أي كيان جنوبي مستقل لن يحظى باعتراف دولي وسيتحول إلى دولة مجهرية بلا مقومات. غير أن الإمارات لم تُظهر حتى الآن استعدادًا للتراجع، واستمر دعمها السياسي والعسكري للمجلس، رغم إعلان سحب قوات مكافحة الإرهاب التابعة لها، وهو إجراء اعتبره مراقبون رمزيًا.
يعكس الخطاب الصادر من الجانبين تصعيدًا وطنيًا واضحًا. يؤكد أكاديميون إماراتيون أن دعم الحلفاء اختبار لهوية الدولة، بينما يحذر باحثون سعوديون ويمنيون من أن الصراع ينتقل من منافسة غير مباشرة عبر وكلاء محليين إلى مواجهة أكثر وضوحًا بين الرياض وأبوظبي.
يحذر مراقبون من أن الحوثيين قد يكونون المستفيد الأكبر من هذا الانقسام، مع تراجع التنسيق بين خصومهم الرئيسيين. وفي المقابل، تميل الحكومات الغربية، بقيادة واشنطن، إلى تجنب توجيه انتقادات علنية للإمارات، مع إظهار تعاطف أكبر مع الموقف السعودي والدفاع عن بقاء اليمن دولة موحدة.
بهذا، يقف اليمن مرة أخرى على حافة تحول خطير، حيث يتقاطع الصراع المحلي مع تنافس إقليمي حاد، وتزداد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية.
https://www.theguardian.com/world/2025/dec/30/saudi-arabia-uae-tension-future-yemen-boiling-point

